“عصا الراعي”

“عصا الراعي”

جوجل بلس

“عصا الراعي”

إزدحمت الساحة، هتافات، ضوضاء، جماهير متحمسة. الكل يرقب، ينتظر، الأعين تراقب كالصقور والعرق يجري على الوجوه. تتهامس الشفاه، ثم تتعالى الضحكات، ينظرون إليه بتعالي، هو بالذات، يسخرون منه وهو لم يدرك حجم التحدي وما قد أقبل عليه حتى رأى بعينه حبال السحرة ، تلك الحبال الساكنة بعد أن ألقوها تتحول إلى ثعابين وتجري في أنحاء المدرج. كان ذلك بعد أن سألوه ” إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى” وبثقة رد عليهم “بَلْ أَلْقُوا”. جلس فرعون يراقب شامتاً وهو يرى الأفاعي تشغي المكان بعد أن كانت حبال لا تتحرك، متفاخراً بسحرته الذين وعدهم أن يكونوا من المقربين إليه إن فازوا في هذا التحدي أمام الراعي “موسى” الذي يدعي بنبوته وبإمتلاكه قدراتٍ خارقة إستمدها من الله. نظر فرعون إلى وجه “موسى” فرأى الخوف في عينيه، وفي خطوط عرقه. أيقن ساعتها ما أيقنه “موسى” نفسه وأيقنه السحرة حوله: أنه هالك ، ليس لديه أدنى فرصه أمام قدرات أباطرة السحر، من مارسوه طوال حياتهم، من عقدوا ألسنة الجمهور بثعابينهم ووقفوا مختالين يرقبون ردود أفعالهم وردة فعل “موسى”. كانت الشمس ما تزال في كبد السماء، لم يبق الحر إنما أشتد حتى كاد جلد “موسى” أنيذوب و زادت حرارة جسده عمن حوله بسبب ما رآه وما هو مجبر على منافسته. فجاءه لا تخف و” وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ”، تذكرة من ربه بمقامه وقدره. وعند إنشغال الجمهور بثعابين السحرة وبينما السحرة مازالوا يرفعون رؤوسهم ناحية الجمهور وفرعون والأخير تتسع حدقتاه وتغزوها الشماتة القى الراعي العصا….

 

وقبل أن تلامس الأرض تحولت إلى حية، كانت أضخم من كل الثعابين الأخرى. لم تجر في الأنحاء مثلما فعلت باقي الثعابين بل إلتهمت كل ثعبان من الثعابين. وقف الناس مشدوهين من سحر “موسى” عليه السلام ووقف السحرة لأنهم رأوا حقيقة الأفعى: لم تكن عصا تحولت إلى ثعبان في أعين الناس، بل كانت عصا تحولت إلى أفعى حقيقية وألتهمت حبالهم. وإن لم يكن ذلك سحراً فماذا يكون؟ كيف إستحضر الراعي أفعى حقيقية ومن أين جاءت؟

 

غلب الراعي أسياد القوم، ملك قوة إستخف بها من حوله، من أعتقدوا أنهم النخبة، أنهم الأعلى. امتلك عصا رأوها فقيرة، انما كان الراعي هو من وضع الله فيه قوة فاقت قوى الآخرين، وعصاه هي من هز بها عوالم وبها وبحكمة وقدرة الله عز وجل تحولت من عصا لا تنفع ولا تضر إلى حية تلتهم كل ما حولها وتتألق وحدها وتحول الراعي إلى سيد القوم وخر السحرة سجداً لله الواحد، من يضع القوة في من نراه الأضعف ، من نستخف بقدره، من نتهامس ونهزأ بتطلعاته، إنما يمكن أن يملك هذا عصا راعي يدب بها فتأكل من رأيناهم ثعابين قبلاً.

 

#قصص_الأنبياء_والرسل

#ياسمين_رحمي